Sodiq Kolayo مقدمات العلامة النيحيري آدم عبد الله الإلوري : الشيخ لقمان صادق الواعظ تفت 29-Sep-2020

التقريظ و سماته


وفي الدَّلالة المعجميّة فقَرَظ بمعنى دبغ الأديم بالقرظ، وهو ورق السَّلَم، وأديم مقروظ، ورجل قارظ: يجمع القرظ، ومنه: "حتّى يؤوب القارظ". ومن المجاز: قرّظْتُه تقريظا: مدحتُه، وهما يتقارظان: يتمادحان، لأن المقرّظ يحسِّن ويزيِّن صاحبه كما يحسّن القارظ الأديم(1).

وإذا قلتَ: قرّظ فلان فلانا أي مدحه وأثنى عليه، وقرّظ الكتاب: وصف محاسنه ومزاياه(2).

التّقريظ بمعنى مدح شخص، وأثبتت الدَّلالة الاختياريّة "أنّ المدح يكون للحيّ والميت، والتّقريظ لا يكون إلاّ للحيّ. وأصل التّقريظ من القرْظ، وهو شيئ يدبغ به الأديم إذا دبغ، وبه حسن وصلح وزادت قيمته، فشبه ملحك للانسان الحيّ بذالك، كأنّك تزيد في قيمته بمدحك إيّاه، ولا يصحّ هذا المعنى في الميت، ولهذا يقال: مدح الله ولا يقال: قرّظه"(3).

والتّقريظ: هو ما يكون مدحًا أو ثناء في صناعة فنيّة، ويكون في تأليف الكتاب وصاحبه (أو توصية إشهاد على فضيلة). وهناك ما يماثل التّقريظ في الاصطلاحات التّأليفية، وإليك البيان عليها:

1-التّصدير: هو ما يقوم به أحد العلماء أو الأساتذة بتقديم كتاب غيره، لبيان أهميّة الكتاب واختصار الإشارة إلى منهج الكتاب وقيمته وما يتعلّق بذالك، وغالبا ما يكون هذا الأمر من العلماء الكبار والمشهورين.

2- التّقديم: هو مثل التّصدير غالبًا، يقوم به عالم أو أستاذ مشهور ذو مكانة، وربما يكون اللّفظ مختلفا أحيانا، فيسمّى تقديما في مكان وتصديرا في مكان. وقد يستعمل التّقديم والتّصدير بمعنى المقدمة.

3- المقدّمة: هي ما يكتبه الباحث أو المؤلّف في صدر كتابه (بعد التّصدير) وهو يشتمل على ما يلي:

التّصريح بعنوان البحث

بيان مشكلة البحث

أهميّة الموضوع وأسباب اختياره

الدّراسة السّابقة في الموضوع

خطّة البحث

منهج البحث

ذكر أهمّ مراجع البحث الأساسية

4-التّمهيد: يلي المقدّمة، وتكون الغاية منه التّوطئة للدّخول إلى البحث، كالانتقال من الكلّ إلى الجزء، أو ترجمة العالم الذي يراد البحث في آرائه أو ذكر الخلفيات الزّمانية والمكانية للبحث ونحو ذالك، فهو لا يشتمل على مباحث البحث، وقد يكتفي بعضهم بالمقدّمة عن التّمهيد أو العكس، لكنّ هذا المسلك هو مسلك الباحثين في الرّسائل العلمية، ويختلف الأمر في بحث تكميلي أو بحث مختصر(4).

ومشكلة البحث ليست الآلام التي يكبدها الباحث من متاعب بُعد المسافة أو تعسّر قطع الفيافي وتحمّل النّفاقات في سبيل تحقيق البحث، وإنّما هي الغموض والثّغور الفاتحة الدّاعية إلى الحلّ والبيان الموضوعي قصدًا لإضافة المعرفة في مسرح البحوث.

والتّقريظ أنواع، منها نثري ومنها شعري، ومنها ما جمع بين النّثر والشّعر،

التّقريظ النّثري: هو أن يأتي المقرَّظ بمدح نثري فقط على الكتاب والكاتب. ومثاله ما كتب الشّيخ آدم نَعْمَاجي الكنوي (ت 1944م) في شرح السّوداني على مختصر الميدان لتلميذه الإلوري على عنوان: تقريظ آدمي لشرح آدمي:

بسم الرّحمن الرّحيم

"أقول: والله يسمع وأنتم تسمعون إنّي لـمّا وقفت على هذا الشّرح العجيب، والفتح القريب، الصّادر من سميّ الأديب، الذّكّي الأريب، صرّحت بأنّه لا يستغني عنه العالم اللّبيب، فأحري المتعلّم الحبيب.

إنّه قد قاتل الجهل فأهزم جيوشه، وكأنّي بالحاسد المعاند قد أعرض عنه لسوء حظّه وعصيان ربّه.(5)

نعم: فإنّ المعاصرة حرمان، والمحاسدة عدوان، وأنا لكم ناصح أمين، فاقبلوا على هذا الشّرح الثّمين، والمورد المعين، وامسكوا بالحبل المتين، واستندوا إلى الرّكن المكين، كثّر الله في المسلمين من أمثاله وأدام الله أيّام آدم لنفع عباده وتنوير بلاده، فإنّه ربّ ما خاب من قصَدَه، ولا يئس من رجاه".

ومن الاصطلاح الّذي استعمله البعض على شكل التّقريظ هو كلمة: اعتراف، وجاء في كتاب توضيح العدد الذي قرّظه الشّيخ عبد الوهّاب الغماوي واختار عليه كلمة الاعتراف دون التّقريظ.

اعتراف:

"ولقد استفدتُ كثيرًا من هذا الجهد المتواضع الّذي قام به السّيّد محمّد ثوبان نحو الـحُسبان، فجزاه الله خير العرفان"(6). وقد وفر الإيجاز الاستعاب في هذا الاعتراف إلاّ أنّه أُخذ عليه من عدم التّصريح بإسم الكتاب تأريخ الكتابة.

وأمّا التّقدير وربّما اصطُلِحت على معنى الاعتراف أو التّقريظ أو التّقديم.

2-التّقريظ الشّعري: هو مدح المقرِّظ وثناءه على الكتابة بالشّعر، ومثله مديح كتاب الإلوري: الدّين النّصيحة الذي كتب عليه الشّيخ أحمد فال الشّنقيطي كاتب السّيد ابن عمر ورفيقه إلى نيجيريا عام 1949م بقطعة شعرية ونصّه:

من أحسن ما تصوغ  به القريحه **  جواهرها الـمنظّمة الـمليحه

كتاب العالم الحِبـر الـمحامي ** عـن الإسلام بالسّنن الصّحيحه

نـنيحة فكر آدم وهو سـمى ** نـتيجة  فـكره الدّين النّصيحه)7

3-ما جمع بين النّثر والشّعر: وذالك تقديم تقريظ نثري ثمّ ذيّله المقرّظ بقطعة شعرية أو بالقصيدة تأييدًا وتقديرًا. وهذا النّوع قلّ في الميدان، ولا يتصدّى فيه إلاّ الأديب الفحل، وقد نرى مثل هذه الصّورة في تقريظ الشّيخ محمّد ناصر الكبري الكنوي لكتاب بدر الزّوجين ونفحة الحرمين للشّيخ أبي بكر الكشناوي، وسنورده في هامش صفحة 51 وما بعدها إن شاء الله.

ومن نظيره تقريظ أحد الطّلبة لشرح مختصر الميداني للإلوري:

تقريظ لبعض الطّلبة اليرباوية

لمّا اطلعت على هذا الشّرح الفريد ووقفت على هذا الفتح السّديد مازلت أقضي العجب دائما ممّا رأيت، لأنّي وجدته كتابا جمع مع الفوائد جمل القواعد الصّرفية، وأبان مكنون ذخائر اللّغة العربيّة ثمّ أحمد الله تعالى وأشكره على أنّه جعل في أرضنا وجنسنا مثله وهو الصّادر من الفاضل: آدم، والكامل الفاهم الذي لم يسبق إلى مثل هذا أحد فينا قبله، وقد كان فينا فلم نعرف قدره، إذ لم يطلع علينا شمسه

وبدره إلاّ بعد ظهور هذا الشّرح القريب والفتح القريب، نسأله تعالى أن يكثّر فينا مثله ويوتي كل ذي فضل فضلة.

كتاب فـي قراءته سرورمـطالعه من الـجهلاء ناج

كنور في ظلام أو كروحبدا للجسم، بل هو كالعلاج

ومن قَبيل هذا تقديم الإهداء بالشّعر كما صنع الشّاعر الأستاذ عبد الواحد جمعة أريبي في إهداء ديوانه وحي السّباعيّات

إهداء هذا الدّيوان:

إلى العرب في أوطانهم، إلى المسلمين في بلدانهم، إلى النّياجرة في قطرهم...

جـمـال  الشّعر أغرانـي ** رواح الفـنِّ أسـقـانـي

لأهـدي حصَّتـى ديـما ** فَـتُـنْبِتُـهُ  لـخـلاّنـي

أصـوّره بِـأَخْـيـلتـي  ** فـيُسعـد وقـعُ أوزانـي

وأمـزجـه هـوى قلبـي ** ألـقِّـيه فـتـلـقـانـي

أصُـبّ الـحب أُغـنـيةً ** فـتُـغـري روح ألحانـي

لِلَذِّ الضّـاد تـجـربتـي ** وأشـعـاري بـإمـعـان

لـنصـر الدّيـن عيدانـي ** وتفكيـرى وديـوانـي(8)

وقد اعتاد الشّعراء المجيدون تعبير شكرهم وتقديرهم للمساعدين والمساهمين في نجاح عملهم بالشّعر، كما فعل الشّاعر الدّكتور عيسى ألبي في ديوانه الرّياض وهو يعجب فعاليات الخير للدّكتور عبد الله عمر نصيف، ومشرف تأسيسه في ولاية كوارى الشّيخ عبد القادر أونليمارون عندما تحمّل نفقة طبع الدّيوان:

أحـلى الكلام بلاغة  الشّعر **  هو خير ما يهدى لمن يدرى

حكم تدار عــلى  موائده **  فـينال  منها صاحب الفكر

مـن بثّه للخـلق نـذكره **  إذ كان ذلك غـاية الفكـر

نـحظى بخيرك زينة  العرب **  (عمر نصيف) مؤيد الشّعـر

حيّاك ربّك سالـما نـشطا **  لـديـن والآداب والـبـر

إنّـا نـقدّر ما تـقـدمه  **  للنّاس من بيض ومن سـمر(9)

ومنها تعريف نظمهم أو إنتاجهم النّثري بالشّعر كما فعل الأستاذ الشّاعر أريبي في تعريف ديوانه القلائد بالشّعر:

القلائد

هذي  قلائد باسم ديوانُـها  **  والـحقّ  يبسم بعد كـدّ أوّل

لك أيّها  الصّابي كحقّ زيادة  **  أو حـقّ  مقترب وحـقّ نقبُّل

فكأنّها  عقد الـحياة نُحلّها  **  بـعد  السّنين تـصرَّمت بتبدُّل

لا للجوار  عـناؤها وغناؤها  ** لا  للتعصّب نـصحها بـتكتُّل

فالحقّ يظهر لودهاه غيابتُ ال  **  بـلوى وظلمة جـائر متنصِّل

فمن البيان ينادقٌ لـو صوِّبت ** حرقت  وفي السّكتات عزم يعتلي

الـحمد لله الغظيم لنـصره  ** وكرامة  عكست  حُلى المتفضّل(10)

وقال الشّيخ توفيق يوسف أبوبكر، إنّ التّقديم هو أنْ يقدّم المقدِّم إلى القرّاء بتشويق وترغيبهم إليه، مثيرًا إلى خفايا الكتاب ومزاياه. (ثمّ قال): وحسب رأيي لم يكن بين التّقريظ والتّقديم فرق سوى أنّه يوجد في التّقديم كلمة أقدّم أو نقدّم وغيرهما...(11) وعلى هذا نقول هناك الفرق اليسير بينهما: فالتّقديم يكون في كتاب الأحياء والمتوفّى على السّواء، وفيه يدرس اختصار الكتاب والمنهج المتعاطي، مع تفصيل حقيّتها وعلّة عدم اختيار غيرها...

وهذا خلاف التّقريظ الذي يكون مدحا وثناء لكتاب الأحياء فقط، واستخلاص معلومات الكتاب على شكل دون ما يشمل التّقديم. 

  وبغضّ النّظر عن أصل اشتقاق التّقديم والمقدّمة، وهذه الكلمتين ليستا في نفس القالب في وضع التّأليف، والتّقديم دراسة الكتاب استخلاصا وتوزين قيمته ومنهجه، وهذه العمليّة تكون من غير المؤلّف، والمقدّمة تكون بوضع المؤلف مع ذكر المشكلة أو السّبب المباشر لوضع العمل وذكر أهميّته على الصّريح.

وإذا كان للكتاب تقديم فإنّه يلي الإهداء، ثمّ المقدّمة أو التّمهيد أو المدخل (التّوطئة)، كلّ هذه الصّفحات بدون الرّقم الحسابي الهجائي إلاّ على ترتيب الحساب الجُمّلي. ولا بّد من إسم الكاتب وتأريخ كتابته في التّقريظ والتّصدير والمقدّمة جميعا.

__________

1- محمود بن عمر، جار الله الزّمخشري، أساس البلاغة المكتبة العصرية صيدا بيروت، 1426هـ2005م ص: 676

2- مجمع اللّغة العربيّة القاهرة، المعجم الوسيط 1972م ص: 762

3-ا

4- الملتقى الفقهي 2/3/2016 www.fsqweb.com.

5- آدم عبد الله الإلوري، شرح السّوداني على مخصر الميداني، الطّبعة الأولى 1943م، مطبعة المباركة أبيوكوتا، ص: 3

6- محمّد ثوبان بن آدم عبد الله الإلوري، توضيح العدد، نشرة مركز العلوم عام 1989م ص: 2

وكلب العالـم أجرى  وأحذر ** من آخر جاهل يفري الذّبيحه(1)

7- آدم عبد الله الإلوري، الدّين النّصيحة، الطّبعة الأولى 1948م ثم كتب الشّيخ أحمد قال هذا التقريظ والمدير عام 1949.

8- عبد الواحد جمعة أريبي، وحي السّبعيات، دار النور، موشن، لاغوس، الطبعة الأولى 2013م، ص:2

9- المصدر السّابق، الرّياض، ديوان عيسى ألبي، ص:1

11- القلائد Rahman Arabic & Islamic Ent. (القلائد ديوان أريبي، 2008م ص: ط

11- بحث تكملي لنيل درجة الماجيير في جامعة إلورن قسم اللغة العربية، فن التّقريظ لدى الشيخ محمد حبيب الله آدم الإلوري الأخ توفيق يوسف أبي بكر عام 2006م، ص: 5

2 likes 25

share : whatsapp share


You must be logged in to contribute to discussions here !

No comments found yet for this post