خلق حواء من ضلع آدم الأيسر;  حقيقة أم خرافة؟


إن بعض المرويات في التراث الإسلامي حافلة بعناصر ذات طابع أسطوري من خلال تفاصيل مبالغ فيها. و لا تصح نسبتها للدين و لا تمت بالقرآن الكريم بصلة و لا الأحاديث الصحيحة. و القرآن أعتبره كلام الله المعصوم من الأخطاء اللغوية و المغالطات و التناقضات المعنوية. و الأحاديث النبوية لها منهج صارم في صحتها و ضعفها.


و هذه القصص الحافلة بالأسطورية منها كيفية خلق حواء من ضلع آدم عليهما السّلام و قصة هبوط آدم في الهند و حواء في جدة و التقائهما بجبل عرفة و تفاصيل عمره و حجمه بشكل هائل، و نوح عليه السلام و تصور طول عمره الخارق للعادة، و تفاصيل سفينته و أبعادها الخيالية و وجود جثمان آدم في السفينة لتحميها و صرخة الديك التي أنذرت بالطوفان، و غيرها من المرويات الضعيفة.


إن المؤمن السليم عليه أن يقف موقف التصديق أمام النصوص الدينية و لكن من الخطأ البدائي عدم إجراء التفكير على غير آيات الأحكام من هذه النصوص. و هناك أدلة تدل أن قصة كيفية خلق زوجة آدم من ضلعه غير ثابتة، و هي:

أولا: عدم وجودها في القرآن بل ذكر فيه خلق آدم و زوجه منه بدون تفصيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]. لم يذكر القرآن "الضلع" و لا "الأيسر" و لا طريقة الخلق التفصيلية.!

ثانيا: عدم ثبوتها في السنة الصحيحة و أما الروايات الواردة في هذا إما ضعيفة أو موقوفة على بعض الصحابة.!

ثالثا: أصل القصة يهودي، و هي مذكورة في سفر التكوين( الإصحاح ٢) من العهد القديم: "فأوقع الرب الإله سباتًا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة".

· دخلت هذه القصة إلى التراث الإسلامي عبر روايات اليهود الذين أسلموا (كعب الأحبار، وهب بن منبه، وغيرهم).

رابعا: مخالفتها للعقل السليم و المنطق العلمي و النواميس الطبيعية و البيولوجية المعروفة، حتى مع الإيمان بالمعجزة لعدم وجود دليل شرعي صحيح على هذه التفاصيل الدقيقة.


و الحديث الوحيد الصحيح المتعلق بالموضوع هو ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً".


وهذا الحديث:


1. ليس وصفاً لعملية الخلق، بل تشبيه ووصف لطبيعة المرأة النفسية.

2. الغرض منه النصح بحسن معاملة النساء وفهم طبيعتهن.

3. التشبيه بالضلع لأنه أعوج بطبيعته، وكذلك المرأة لها خصائص نفسية تحتاج إلى تفهم وحسن معاملة.


موقف العلماء:


1. الإمام ابن كثير في تفسيره: لم يذكر قصة الضلع الأيسر في تفسير الآية، بل نقل بعض الأقوال ثم قال: "والقرآن يدل على خلق حواء من آدم من غير تعيين كيفيته".

2. الإمام القرطبي نقل الأقوال المختلفة ثم قال: "والأولى أن يُقف حيث وقف القرآن".

3. المفسرون المحدثون كالشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور يؤكدون أن الآية تحتمل معاني متعددة، وليس فيها تحديد للكيفية.


الدرس المستفاد: ضرورة التحري في مصادر القصص الدينية، والتمييز بين مصادر الوحي المعصومة وبين المرويات التاريخية التي قد تختلط بها الأساطير. والله أعلم.

صديق عبد الرحيم قولايو الحسني

٢١/١/٢٠٢٦م

قطر

Image