حجة الطلاب
2. مقدمات · page 10 / 7

سأل شيخه يوماً ما الذي جناه عمرو من الذنوب حتى استحق أن يضربه زيد كل يوم ويبرّح به هذا التَّبريح المؤلم ؟ وهل بلغ عمرو من الذل والعجز منزلةَ مـن يضعف عن الانتقام لنفسه، وضرب ضاربه ضربةً تقضي عليه القضاء الأخير؟
سأل شيخه هذا السّؤال وهو يتحرّق غيظاً وحنقاً ويضرب الأرض بقدميه؛ فأجابه الشيخ ليس هناك ضارب ولا مضروب يا مولاي وإنّما هي أمثلة يأتي بها النُّحاة لتقريب القواعد من أذهان المتعلّمين فلم يعجبه هذا الجواب......
فغضب عليه وأمر بتسجينه، ثمّ أرسل إلى نحوي آخرَ فسأله كما سأل الأوّل، فأجابه بمثل ،جوابه فسجنه كذلك، ثمّ ما زال يأتي بهم واحدًا بعد واحد حتى امتلأت السجون وأقفرت المدارس، وأصبحت هذه القضيّة المشؤومة الشُّغل الشاغل عن جميع قضايا الدولة ومصالحها ، ثم بدا له أن يستوفد علماء بغداد فأمر بإحضارهم فحضروا وقد علموا قبل الوصول إليه ماذا يراد بهم، وكان رئيس هؤلاء العلماء بمكانةٍ من الفضل والحذق والبصر بموارد الأمور ومصادرها، فلمّا
اجتمعوا في حضرة الوزير أعاد عليهم ذلك السؤال ،بعينه، فأجابه رئيس العلماء: إنّ الجناية التي جناها عمرو يا مولاي يستحق أن ينال لأجلها من العقوبة أكثر ممّا نال فانبسطت نفسه قليلاً وبرقت أسارير وجهه وأقبل على محدّثه يسأله ما هي جنايته ؟ فقال له: إنّه هجم على إسم مولانا الوزير واغتصب منه الواو فسلّط النّحويّون عليه زيداً يضربه كلَّ يوم جزاء وقاحته وفضوله - يشير إلى زيادة واو عمرو وإسقاط الواو الثانية من داؤد فأعجب الوزير بهذا الجواب كلَّ الإعجاب، وقال لرئيس العلماء: أنت أعلم من أفلته الغبراء، وأظلَّته الخضراء، فاقترح عليَّ ما تشاء، فلم يقترح عليه سوى إطلاق سبيل العلماء المسجونين فأمر بإطلاقهم، وأنعم عليهم وعلى علماء بغداد بالجوائز والصّلات.
(قال راوي) وهل ينال المتعلّم حظه من العلم إلا إذا استطاع تطبيقه على العمل والانتفاع به في مواضعه ومواطنه التي وُضع لأجلها، ولن يستطيع ذلك إلا إذا استكثر له معلّمه من الأمثلة والشّواهد الملائمة لقواعد ذلك العلم وافتنَّ له في

Use / arrow keys to navigate pages

© , Qatru